سيد قطب

2199

في ظلال القرآن

وبمناسبة ما حرم على المسلمين من الخبائث ، يشير إلى ما حرم على اليهود من الطيبات . بسبب ظلمهم . جعل هذا التحريم عقوبة لهم على عصيانهم ولم يكن محرما على آبائهم في عهد إبراهيم الذي كان أمة قانتا للّه حنيفا ، ولم يك من المشتركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم ، فكانت حلالا له الطيبات ولبنيه من بعده ، حتى حرم اللّه بعضها على اليهود في صورة عقوبة لهم خاصة . ومن تاب بعد جهالته فاللّه غفور رحيم . ثم جاء دين محمد امتدادا واتباعا لدين إبراهيم ، فعادت الطيبات حلالا كلها . وكذلك السبت الذي منع فيه اليهود من الصيد . فإنما السبت على أهله الذين اختلفوا فيه ففريق كف عن الصيد وفريق نقض عهده فمسخه اللّه وانتكس عن مستوى الإنسانية الكريم . وتختم السورة عند هذه المناسبة بالأمر إلى الرسول - صلى اللّه عليه وسلم - أن يدعو إلى سبيل ربه بالحكمة والموعظة الحسنة . وأن يجادلهم بالتي هي أحسن . وأن يلتزم قاعدة العدل في رد الاعتداء بمثله دون تجاوز . . والصبر والعفو خير . والعاقبة بعد ذلك للمتقين المحسنين لأن اللّه معهم ، ينصرهم ويرعاهم ويهديهم طريق الخير والفلاح . « وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً ، يَأْتِيها رِزْقُها رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكانٍ ، فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ ، فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ . وَلَقَدْ جاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْهُمْ فَكَذَّبُوهُ ، فَأَخَذَهُمُ الْعَذابُ وَهُمْ ظالِمُونَ » . . وهي حال أشبه شيء بحال مكة . جعل اللّه فيها البيت ، وجعلها بلدا حراما من دخله فهو آمن مطمئن ، لا تمتد إليه يد ولو كان قاتلا ، ولا يجرؤ أحد على إيذائه وهو في جوار بيت اللّه الكريم . وكان الناس يتخطفون من حول البيت وأهل مكة في حراسته وحمايته آمنون مطمئنون . كذلك كان رزقهم يأتيهم هينا هنيئا من كل مكان مع الحجيج ومع القوافل الآمنة ، مع أنهم في واد قفر جدب غير ذي زرع ، فكانت تجبى إليهم ثمرات كل شيء فيتذوقون طعم الأمن وطعم الرغد منذ دعوة إبراهيم الخليل . ثم إذا رسول منهم ، يعرفونه صادقا أمينا ، ولا يعرفون عنه ما يشين ، يبعثه اللّه فيهم رحمة لهم وللعالمين ، دينه دين إبراهيم باني البيت الذي ينعمون في جواره بالأمن والطمأنينة والعيش الرغيد ؛ فإذا هم يكذبونه ، ويفترون عليه الافتراءات ، وينزلون به وبمن اتبعوه الأذى . وهم ظالمون . والمثل الذي يضربه اللّه لهم منطبق على حالهم ، وعاقبة المثل أمامهم . مثل القرية التي كانت آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغدا من كل مكان فكفرت بأنعم اللّه ، وكذبت رسوله « فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِما كانُوا يَصْنَعُونَ » وأخذ قومها العذاب وهم ظالمون . ويجسم التعبير الجوع والخوف فيجعله لباسا ؛ ويجعلهم يذوقون هذا اللباس ذوقا ، لأن الذوق أعمق أثرا في الحس من مساس اللباس للجلد . وتتداخل في التعبير استجابات الحواس فتضاعف مس الجوع والخوف لهم ولذعه وتأثيره وتغلغله في النفوس . لعلهم يشفقون من تلك العاقبة التي تنتظرهم لتأخذهم وهم ظالمون . وفي ظل هذا المثل الذي تخايل فيه النعمة والرزق ، كما يخايل فيه المنع والحرمان ، يأمرهم بالأكل مما أحل لهم من الطيبات وشكر اللّه على نعمته إن كانوا يريدون أن يستقيموا على الإيمان الحق باللّه ، وأن يخلصوا له